الجصاص
465
أحكام القرآن
النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يحكم في الانسان بما لا يحكم به في نفسه لوجوب طاعته لأنها مقرونة بطاعة الله تعالى . قال أبو بكر : الخبر الذي قدمنا لا ينافي ما عقبناه به من المعنى ولا يوجب الاقتصار بمعناه على قضاء الدين المذكور فيه ، وذلك لأنه جائز أن يكون مراده أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أن يختاروا ما أدعوهم إليه دون ما تدعوهم أنفسهم إليه وأولى بهم في الحكم عليهم ولزومهم اتباعه وطاعته ، ثم أخبر بعد ذلك بقضاء ديونهم . وقوله تعالى : ( وأزواجه أمهاتهم ) ، قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنهن كأمهاتهم في وجوب الإجلال والتعظيم ، والثاني : تحريم نكاحهن . وليس المراد أنهن كالأمهات في كل شيء ، لأنه لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن يتزوج بناتهن ، لأنهن يكن أخوات للناس ، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم بناته ، ولو كن أمهات في الحقيقة ورثن المؤمنين . وقد روي في حرف عبد الله : " وهو أب لهم " ولو صح ذلك كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم ، كما قال تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] . وقوله تعالى : ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) . روي عن محمد ابن الحنفية أنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني . وعن الحسن : " أن تصلوا أرحامكم " . وقال عطاء : هو المؤمن والكافر بينهما قرابة إعطاؤه له أيام حياته ووصيته له " . وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) قال : " إلا أن يكون لك ذو قرابة ليس على دينك فتوصي له بشيء هو وليك في النسب وليس وليك في الدين " . وقوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، من الناس من يحتج به في وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم التأسي به فيها ، ومخالفو هذه الفرقة يحتجون به أيضا في نفي إيجاب أفعاله . فأما الأولون فإنهم ذهبوا إلى أن التأسي به هو الاقتداء به ، وذلك عموم في القول والفعل جميعا ، فلما قال تعالى : ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) دل على أنه واجب ، إذ جعله شرطا للإيمان كقوله تعالى : ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) [ المائدة : 57 ] ونحوه من الألفاظ المقرونة إلى الإيمان ، فيدل على الوجوب ، واحتج الآخرون بأن قوله : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) يقتضي ظاهره الندب دون الإيجاب ، لقوله تعالى : ( لكم ) مثل قول القائل : " لك أن تصلي ولك أن تتصدق لا دلالة فيه على الوجوب بل يدل ظاهره على أن له فعله وتركه ، وإنما كان يدل على